Fourni par Blogger.

Translate

المتابعون

Send Quick Massage

Nom

E-mail *

Message *

Affichage des articles dont le libellé est مقالات .. Afficher tous les articles
Affichage des articles dont le libellé est مقالات .. Afficher tous les articles

samedi 20 décembre 2014

هكذا تحاور بورديو ...


"هكذا تحاور بورديو ..."


مقدمة:

إن السوسيولوجيا تتأسس علميا و موضوعيا على ” الإجتماعي” . هذا الأساس الذي ترتكز عليه في حركة ذهاب و إياب بين العدة النظرية و المعطيات الميدانية , حيث أنها لا تفصل بينهما فكلاهما يكمل الآخر.

و الحال أن العدة النظرية بدون ميدان – تعتمل فيه الوقائع و الظواهر الإجتماعية- عمياء, و الواقع بدون عدة نظرية أجوف.
لذلك فالسوسيولوجيا ممارسة ميدانية بامتياز, تقتضي عملية الهدم و البناء مع المحافظة على الصرامة و الدقة العلميتين و خصوصية الواقع.

غير أن السوسيولوجيا لا تدعي لنفسها الفهم الدوغمائي و النهائي للتجربة الحقلية , و بالتالي فهي قادرة على طرح بديل للهشاشة و الأعطاب المجتمعية . بقدر ما تضع نفسها على عتبة الفهم , فهي مجرد خطوة أولى على طريق الفهم و التفسير.
تحاول مقاربة الفعل الإجتماعي و اكتشاف الثابث و المتحول داخل المجتمع عبر استدماج و استلهام فهم خاص للممارسة السوسيولوجية.
إلا أن بلوغ هذا المرمى يقتضي خارطة طريق يتتبعها عالم الإجتماع حتى يتمكن من ملامسة المعنى و استقرائه دون السقوط في الذاتية و الرضوخ للإجابات الجاهزة , فمهمة عالم الإجتماع – على حد قول بورديو- هي تفجير السؤال النقدي عبر التمكن من منطق العلاقات و الأدوار و المؤسسات المجتمعية و إضفاء معنى منطقي على تحولاتها و ثباثها .

و لعل أسلوب الحوار يظل أحد المقاربات المشترطة في عالم الإجتماع حتى يستطيع فهم الجماعات الإنسانية في صيغ انوجادها و تشكلاتها و صيغ ارتباط الفرد بها . يشير إميل دوركهايم في كتابه ” قواعد المنهج الإجتماعي” على أن الإجتماعي لا يمكن تفسيره إلا بالإجتماعي . فالحوار و المساءلة يظلان المورد الأساس الذي يعطي للسوسيولوجيا المعنى و المبنى المعرفي .

فهل باستطاعة عالم الإجتماع إصاخة السمع و التقاط تفاصيل التفاصيل عبر أسلوب الحوار؟ بل ما هي شروط الحوار و أدواته أولا؟ و كيف يرى العلاقة بينه و بين المستجوب؟ و هل باستطاعته القطع مع الحس المشترك و مع الخيميائي الذي يسكنه؟ و ما المعايير و المبادئ التي يستند عليها التحقيق و الحوار السوسيولوجيين؟ ألا يحمل الحوار في حد ذاته عنفا رمزيا اتجاه المستجوب خصوصا و أن كل سؤال ينبش في ذاكرة المستجوب الخاصة؟

أسلوب في الحوار

في كتابه ” بؤس العالم” la misère du monde عن منشورات ” لوسوي ” le Seuil بباريس و هو كتاب ضخم و مرجع سوسيولوجي أثير لا غنى عنه في قارة السوسيولوجيا عمد بيير بورديو و آخرون – ما ينيف على عشرين باحثا اجتماعيا- في أحد أهم فصول الكتاب إلى اعتماد أسلوب الحوار و التحقيق مع مختلف الشرائح الإجتماعية الفرنسية حتى يتمكن من تحديد مظاهر العسر التي يعاني منها المجتمع في فرنسا بمختلف مكوناته البشرية -حتى المهاجرين منهم و الأجانب- .

قضى بيير بورديو عقودا عديدة في إجراء حوارات و تحقيقات سوسيولوجية , منهجسا بمعرفة تفجير السؤال النقدي لفهم و تعرية الظاهرة الإجتماعية , يشرح و يفكك النسق العام بعيدا عن الوصفات الجاهزة و الركون إلى المقاربات الكسولة . فولدت لديه هذه العقود خلاصة مفادها أن الممارسة السوسيولوجية يجب أن تكون على أعلى مستوى من الحذر و الإحتياط من مغبة الوقوع في المعرفة المعدة و المطبوخة سلفا أو الإنصهار العاطفي و الشعوري بين مجري الحوار و المجرى معه الحوار خصوصا و أن الباحث يثقل كاهله العبء الرمزي الذي يمارسه عليه التاريخ , فهو ينتج تاريخه ببحثه المضني عن الهوية و الإنتماء , و هو بذلك لا محالة ساقط في لعبة التاريخ و التأريخ .

و الجدير بالذكر أن ثمة علاقة تقوم أثناء الإستجواب بين المستجوب و المستجوب . هذه العلاقة التي لا يمكن توقع مجراها و لا نتائجها , فهي تمثل حقل تأثير و تأثر بين سوسيولوجي ليس بالضرورة مصلحا اجتماعيا و لا ينفعل وجدانيا مع ظاهرة العسر و العطب الإجتماعي , يدرس الحقل بحذر إبستمولوجي كبير و بحياد و برود كبيرين , و بين مستجوب يعيش الأزمة تتعالى زفراته و سخطه . أتراه قادرا على التعبير عما يعتمل داخله ؟ وهل بمقدوره الكشف عن ذلك و التعبير عنه بشكل يمكن المحقق من فهم وتحليل الظاهرة ؟
أم سيفضل الصمت لأن هناك أسبابا خفية قد تمنعه من قبل الخصوصية أو الخوف من الآخر أو فوبيا تعرية الذات إلى غير تلك من الأسباب المعقدة و المتعددة بتعدد المستجوبين ؟

كل هذه الإلتواءات و المطبات الفكرية و الميدانية المعقدة دفعت ببورديو إلى إقامة مقاربة معرفية علمية لا علموية مادتها احتياطات منهجية و علمية و عدتها البراديغم السوسيولوجي الصارم .
هذا الأخير الذي يعبد الطريق الملكي نحو الفهم , فمهمة المحاور- الباحث السوسيولوجي- مهمة نضالية لا تقتنع بالحوارات الكسولة و المطمئنة و لا تقف عند حدود الجاهز و اليقيني .

و تجدر الإشارة إلى أن أول قاعدة اشترط بيير يورديو أن تتوفر لدى الباحث السوسيولوجي القائم بالمحاورة أو التحقيق تتمثل فيما أسماه بالإنعكاسية Réflexivité , و التي تقضي بأن يمارس قواعد حرفته و مبادئها القيمية على عمله نفسه . وشدد على ضرورة تحليله لعمله و خطابه و نشاطه تحليلا انعكاسيا ) ذاتيا (. و بعبارة أخرى عليه أن يستعمل حواراته و تحقيقاته و ما توصل إليه ليغربل دوره و ليكشف العوامل الناتجة عن تاريخه الشخصي و تطبعه و التي قد تؤثر على ممارسته العلمية و تشوش رؤيته للمجتمع . ولذلك أصبح مفهوم الإنعكاسية في نظر بورديو شرطا أساسيا لكل عمل نزيه و موضوعي في مجال العلوم الإجتماعية . و الحال أن هذا الشرط من شأنه ان يخلق لدى الباحث السوسيولوجي نوعا من ردة الفعل الدائمة و الحاضرة المؤسسة على تمرس مهني و على عين سوسيوبوجية ثالثة تكشف ما هو مخفي و ليس ما هو ماثل أمامه , تتيح له إمكانية السيطرة على مجريات الحوار و على البنية الإجتماعية التي ينشدها الباحث و يتحقق في حقلها الحوار المرغوب المفضي إلى تحليل اجتماعي عميق لدلالات الاجابات .

فكيف باستطاعة الباحث السوسيولوجي إذن تطبيق باراديغمه الصارم على عمله نفسه؟ و ما السبيل إلى بناء حوار بعيد عن كل المؤثرات التي تحول دون الفهم الكامل للعطب و مظاهر العسر؟

كما أسلفنا الذكر تنشأ ثمة علاقة بين المستجوب و المستجوب , هذه الأخيرة التي تطرح أكثر من علامة استفهام , إذ تترك لا محالة آثارا على المستجوب و على رؤيته الشخصية للحوار في عموميته , جدواه و ضرورته . خصوصا و أن الحوار أو التحقيق المراد إنجازه لكشف مكامن العطب و العسر اللذين يعاني منهما غالبا ما يعتبره تسللا إلى عالمه الشخصي.
و الحال أن الباحث هو الذي يعمل على مد جسر التحقيق و الحوار متخذا في ذلك البناء قواعده الخاصة و كيفيات حواره بشكل أحادي دون تفاوض مسبق و معلن بين الطرفين , مما يشكل تجاوزا أو عنفا رمزيا قد يمارس على المستجوب .

و لعل اختلاف المستوى الثقافي و اللغوي – الرساميل الرمزية- و المكانة الإجتماعية أو المهنية المتميزة التي قد يشغلها المحاور تزيد من صعوبة عمله كباحث سوسيولوجي .
لذلك صار لزاما عليه إصاخة السمع الممنهج و الفعال و الإنصات لدقائق الأمور لفهم منطقها الداخلي و لإعطائها المعنى المفترض بعيدا عن عفوية الحوار غير الموجه و عن التسلط و الإعداد المسبق للأجوبة و التي غالبا ما يحيل المحاور المحاور عليها بشكل من الأشكال و كأنه بذلك يضعها له في فمه عبر أسئلة موجهة و مقدمة سلفا تحمل في ثناياها الجواب ذاته.

ووعيا من الباحث السوسيولوجي بأهمية الحوار و دوره في الكشف عن المخفي المجسد للعطب الإجتماعي , يرى بورديو أن المحاور عليه أن يلم بالوضع الكلي للتحقيق و المحاورة عبر محاولة الدخول إلى عالم المستجوب بتبني لغته و خطابه و تاريخه الخاص إن أمكن , مما يمكن من إحداث نوع من التكيف Adaptation يقحم المحاور في وجهات نظر و مشاعر و أفكار المحاور.
إن الباحث السوسيولوجي مدعو الآن إلى تعديل ممتلكاته اللغوية و الرمزية بشكل يمتزج و ممتلكات المستجوب . و من هنا يطرح بورديو سؤالا و مهما و أساسيا , من يحاور من؟

و للإجابة على هذا السؤال طلب بورديو من العاملين إجراء الحوارأو التحقيق مع أناس يعرفونهم هم أنفسهم من قبل . فلنعكس الصورة لنتلمس الحقيقة . فلنتصور جدلا أن باحثا سوسيولوجيا فرنسيا قام بهذا التحقيق مع مستجوب من المهاجرين العرب مثلا , و أن هذا الأخير تختلف ممتلكاته اللغوية و الرمزية كليا أو جزئيا عن ممتلكات المستجوب -علما أن كل الباحثين أجمعوا على أن حصر انتباه المحاور باستمرار و جرد المعلومات و الأجوبة التي قد تكون متسرعة, مزيفة, غامضة… من الصعوبة بما كان- ترى هل ثمة فرصة كاملة وسانحة لإجراء الحوار عبر قناة غير مشفرة , بمعنى أن الباحث سوف لن يجد أدنى صعوبة في استصغاء زفرات وآهات و تعابير و لغة المحاور على اختلاف الممتلكات ؟ يبدو أن المهمة هنا تبدو صعبة.

من هنا تطفو عبقرية بورديو على سطح الممارسة السوسيولوجية حيث أوكل محاورة العمال العرب و أبناءهم مثلا لباحثين اجتماعيين مغاربيين يعيشون في الحي نفسه , و تربطهم علاقات جوار أو صداقة تمتد لسنوات . هذا التقارب يجعل المحاور يتكلم بأريحية و بدقة لأن المستجوب منحه قبلا و بعدا تلك الضمانة على عدم تعرية البواعث الذاتية و الشخصية للمحاور. مما يجعل الطرفان على وفاق و تلاؤم يعطي لكل جزئيات الحوار أهمية بالغة من قبيل العلامات اللفظية , الإشارات , الأخطاء اللغوية , تعابير الوجه… وهذا كله يساعد إلى درجة كبيرة في دراسة الأجوبة و تفاصيلها عند الفراغ من الحوار.

و الحال أن المستجوب يجد نفسه منخرطا بشكل طواعي في الحوار باعتباره عاملا أثيرا في عملية البناء النظري لبداية و نهاية التحقيق . فالحوار الناجح في نظر بورديو هو الذي يتكون عير سلسلة من الحوارات المضنية المقيدة بالبراديغم الصارم , و ليس ذاك الذي يتسارع البعض إلى إنجازه عبر لقاء أو إثنين ظانين أن الحظ حالفهم من أول وهلة .
بعد ذلك تأتي الخطوة التالية حيث يتم تسجيل الحوار و تحريره , و هنا تبرز حنكة و حرفية بورديو في التوثيق . فالرجل كان يؤمن بالكتابة , بل و حتى الكتابة التي تسجل الإنفعالات و الأحاسيس و الإيماءات … ذلك كله لتوفير أعلى شروط المقروئية الممكنة للتحقيق السوسيولوجي باعتباره لحظة تواصل أصيلة .

خاتمة :

إن الباحث السوسيولوجي يفترض فيه أن ينشئ سلسلة حوارات تواصلية دون مطبات أو عوائق . عبر وضعيات بعيدة عن تفاوت الممتلكات اللغوية و الرمزية , وضعيات تسمح للمستجوب بالتعبير عن مظاهر العطب و العسر و الخلل الذي يعاني منه داخل المجتمع , وضعيات مشجعة على انبثاق حوار استثنائي و فعال. آنذاك يمكن أن نتحدث عن انعقاده انعقادا سليما يمكننا من اعادة اكتشاف “الحقيقة” الاجتماعية من منابعها الاصلية ومن أصولها التي ترجع اليها باستمرار من دون زيف أو تحوير .





بقلم : بلوح إبراهيم


جميع الحقوق محفوظة © 2013 نبرات فكرية ثقافية